محمد عزة دروزة
188
التفسير الحديث
الطبري الشفاعة الحسنة إلى الدعوة إلى الجهاد في سبيل اللَّه ضد الكفار الأعداء ، والشفاعة السيئة إلى موالاة الكفار ضد المسلمين . والذي يتبادر لنا أن الآية قد جاءت معقبة على الآيات السابقة . وأن القصد من الشفاعة الحسنة هو الدعوة إلى الجهاد وتعضيده والإقدام عليه ، ومن الشفاعة السيئة التثبيط عنه والمعارضة فيه . وهذا وذاك كان من متناول الآيات السابقة تنويها وتنديدا . ويأتي بعد الآية التالية لهذه الآية آيات فيها حملة وتحريض على المنافقين موضوع الكلام السابق حيث يؤيد هذا ما قلناه من صلة الآية بالسياق السابق وكونها استمرارا له . ولقد رأينا رشيد رضا يذكر وجها آخر لتأويل الآية وهو أن من المحتمل أن يكون بعضهم اعتذر عن المنافقين الذين يقفون من الدعوة إلى الجهاد موقف المثبط والمتثاقل . أو يكون بعضهم تشفعوا فيهم فنزلت الآية لتنبههم إلى أن لكل صاحب شفاعة نصيبا من مدى شفاعته . من يشفع في مقام فيه خير ومصلحة يكن مصيبا وله الحسنى . ومن يشفع في مقام فيه شرّ وضرر لمصلحة المسلمين يكن مخطئا وعليه وزر ذلك . ولا يخلو هذا من وجاهة . وهو متصل بمدى الآية وشرحنا لها . ويجعل الاتصال بينها وبين ما قبلها قائما أيضا . وينطوي في الآية تلقين مستمر المدى بتجنيد كل دعوة إلى الخير والسعي فيه وتقبيح كل دعوة إلى الضرر والسعي فيه ، وتبشير لفاعلي الخير والساعين فيه والداعين إليه وإنذار لفاعلي الضرر والساعين فيه والداعين إليه . ولقد اعتبر المفسرون الآية كما قلنا في صدد الشفاعة أي الوساطة بين الناس في قضاء مصالحهم وتجنيبهم ضرر بعضهم . والعبارة القرآنية بإطلاقها تتحمل هذا أيضا . ولقد أوردوا في سياق ذلك حديثا نبويا فيه حثّ على الشفاعة بين الناس جاء فيه عن أبي موسى قال « جاء رجل إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم يسأل فأقبل علينا بوجهه وقال : اشفعوا تؤجروا ويقضي اللَّه على لسان رسوله ما شاء « ( 1 ) .
--> ( 1 ) انظر تفسير الآيات في الخازن وابن كثير وقد روى هذا الحديث البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي بزيادة مهمة وهذا هو نصه « عن أبي موسى عن النبي قال المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضا ثم شبك بين أصابعه ، وكان جالسا إذ جاء رجل يسأل ، أو صاحب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال : اشفعوا تؤجروا وليقض اللَّه على لسان نبيه ما شاء » انظر التاج ج 5 ص 49 - 50 .